الخطيب الشربيني

150

مغني المحتاج

فلانة على وجه الزنا . وينبغي كما قال الزركشي أن يقوم مقامه زنى بها زنا يوجب الحد إذا كانوا عارفين بأحكامه ، ويشترط تقديم لفظ أشهد على أنه زنى ويذكر الموضع فإنهم لو اختلفوا فيه بطلت الشهادة ( أو إقرار ) حقيقي ولو ( مرة ) لأنه ( ص ) رجم ماعزا والغامدية بإقرارهما رواه مسلم . تنبيه : أشار بقوله : مرة إلى خلاف مذهب أبي حنيفة وأحمد حيث اعتبر الاقرار أربعا لحديث ماعز رضي الله عنه . وأجاب أئمتنا بأنه ( ص ) إنما كرره على ماعز في خبره لأنه شك في عقله ولهذا قال : أبك جنون ، ولم يكرره في خبر الغامدية ، ويعتبر كون الاقرار مفصلا كالشهادة فلا يستوفي القاضي الحد بعلمه كما قاله المصنف في القضاء ، بخلاف سيد العبد فإنه يستوفيه من العبد بعلمه ، أما الاقرار التقديري وهو اليمين المردودة بعد نكول الخصم فلا يثبت به الزنا ولكن يسقط به الحد عن القاذف ، وأورد عن طريق آخر مختص بالمرأة وهو ما إذا قذفها الزوج ولاعن ولم تلاعن هي فإنه يجب عليها الحد كما ذكراه في بابه . فروع : يكفي في ثبوت الحد إشارة الأخرى بالاقرار بالزنا ، وإن رئي رجل وامرأة أجنبيان تحت لحاف عزرا ولم يحدا ويقام الحد في دار الحرب إن لم يخف فتنة في نحو ردة المحدود والتحاقه بدار الحرب ، ويسن للزاني ولكل من ارتكب معصية الستر على نفسه لخبر : من أتى من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله فإن من أبدى لنا صفحته أقمنا عليه الحد رواه الحاكم والبيهقي بإسناد جيد ، فإظهارها ليحد أو يعزر خلاف المستحب ، وأما التحدث بها تفكها لحرام قطعا للأخبار الصحيحة فيه . وأيضا فقد يسن له ذلك بترك الشهادة إن رآه مصلحة فإن تعلق بتركها إيجاب حد على الغير كأن شهد ثلاثة بالزنا أثم الرابع بالتوقف ويلزمه الأداء . أما ما يتعلق بحق آدمي كقتل أو قذف فإنه يستحب له بل يجب عليه أن يقر به ليستوفى منه لما في حقوق الآدميين من التضييق ، ويحرم العفو عن حد الله تعالى والشفاعة فيه لقوله ( ص ) لأسامة لما كلمه في شأن المخزومية التي سرقت أتشفع في حد من حدود الله تعالى ثم قام فخطب فقال : إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها رواه الشيخان . ( ولو أقر ) بالزنا ( ثم رجع ) عنه ( سقط ) الحد عنه ، لأنه ( ص ) عرض لماعز بالرجوع بقوله : لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت فلو لم يسقط به الحد لما كان له معنى ، ولأنهم لما رجموه قال : ردوني إلى رسول الله ( ص ) فلم يسمعوا ، وذكروا ذلك للنبي ( ص ) . فقال : هلا تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه . قال ابن عبد البر : هذا أوضح دليل على أنه يقبل رجوعه ، لكن لو قتل بعد الرجوع لم يقتص من قاتله لاختلاف العلماء في سقوط الحد بالرجوع ويضمن بالدية كما قال ابن المقري ، لأن الضمان بها بجامع الشبهة ويحصل الرجوع بقوله : كذبت ، أو رجعت عما أقررت به أو ما زنيت أو كنت فأخذت أو نحو ذلك ، وسواء رجع بعد الشروع في الحد أو قبله ، فإن رجع في أثنائه فكمل الإمام متعديا بأن كان يعتقد سقوطه بالرجوع فمات بذلك ، هل يجب عليه نصف الدية لأنه مات بمضمون وغيره أو توزع الدية على السياط ؟ قولان : أقربهما كما قال شيخنا الثاني كما لو ضربه زائدا على حد القذف ويسن لمن أقر بزنا أو شرب مسكرا الرجوع كما يستتر ابتداء كما رجحه في الروضة . فروع : لو قال : زنيت بفلانة فأنكرت ، وقالت : كان تزوجني فمقر بالزنا وقاذف لها فيلزمه حد الزنا وحد القذف فإن رجع سقط حد الزنا وحده ، وإن زنيت بها مكرهة لزمه حد الزنا لا القذف ولزمه لها مهر ، فإن رجع عن إقراره سقط الحد لا المهر لأنه حق آدمي ، ولو شهد بإقراره بالزنا فكذبهم لم يقبل تكذيبه ، لأنه تكذيب للشهود والقاضي ، ولو أقر بالزنا ثم شهد عليه أربعة بالزنا ثم رجع عن الاقرار هل يحد ؟ وجهان : أحدهما يحد لبقاء حجة البينة كما لو شهد عليه ثمانية فرد أربعة ، وثانيهما لا إذ لا أثر للبينة مع الاقرار . وقد بطل ونقلهما الماوردي في ذلك وفي عكسه ، وقال : الأصح عندي اعتبار أسبقهما ، وينبغي كما قال شيخي : أن المعول على البينة حيث وجدت ، لأن البينة في هذا الباب أقوى كما أن الاقرار في المال أقوى ، إلا إذا أسند الحكم للاقرار ، فإنه يعمل به ، قدمت البينة عليه أو تأخرت .